الرئيسية » رمضان يحيي ليالي السليمانية في تونس.. أمسيات تعانق سحر الماضي

رمضان يحيي ليالي السليمانية في تونس.. أمسيات تعانق سحر الماضي

by donia

كل زقاق في المدينة العتيقة، وسط العاصمة التونسية، يروي قصص الغابرين ويسرد حكايات التصقت بالذاكرة وبالمخيال الجمعي.

 

بالقرب من جامع الزيتونة المعمور، تقع المدرسة السليمانية، التي بُنيت في العهد العثماني، وما زالت شاهدة على حقبة تاريخية كاملة.

 

ويشهد هذا المكان التاريخي في شهر رمضان المعظّم من كل عام، مهرجان ليالي السليمانية، حيث يشدو المنشدون بروائع المالوف و”الهنك” التونسي الأصيل (أنواع موسيقية خاصة تنتشر في بلدان المغرب العربي).

 

في رمضان هذه السنة، من المنتظر انطلاق فعاليات الدورة الحادية عشرة لمهرجان ليالي سليمان، التي يُقبِل عليها التونسيون بكثافة للاستمتاع بجمال المكان ورقة الألحان التي تتناغم مع سحر الماضي.

 

ورُغْم ارتباط تأسيس هذه المدرسة بواقعة أليمة، لكن الغاية من تدشينها نبيلة وهادفة وهي التعليم.

 

المدرسة السليمانية هي إحدى مدارس مدينة تونس التي بنيت خلال العهد العثماني. وهي من المعالم التاريخية في المدينة العتيقة.

 

تقع في المحيط القريب من جامع الزيتونة، في النهج الذي يحمل اسمها، والذي يتعامد مع نهج الكتبية المفضي إلى جامع الزيتونة والذي تفتح عليه كل من المدرسة الباشية ومدرسة النخلة.

 

المدرسة السليمانية هي إحدى أربع مدارس تأسست في عهد علي باشا وهو رابع بايات تونس، في أواسط القرن الثامن عشر للميلاد، مع المدرسة الباشية والمدرسة العاشورية ومدرسة بئر الأحجار.

 

خلال حكم الباي الثاني الحسيني، تأثّرت المدرسة بالمذهب المالكي، وتمّ إصدار أمر التأسيس يوم دفن سليمان باي في تربة الباشيّة التي أسّسها أبوه، علي باشا الأوّل، بالقرب من المدرسة.

 

أما المدرسة السليمانية فأمر بتأسيسها عام 1754، وقد سماها السليمانية تخليدا لذكرى ابنه سليمان الذي مات مسموماً من قبل أخيه.

 

تتوسط المدرسة ساحة مربعة الشكل يحيط بها من جميع الجهات أروقة، يفتح على أحدها مسجد، وعلى الثلاثة الأخرى 18 غرفة كانت مخصصة لإقامة الطلبة، وهي الآن مقرات لعدد من الجمعيات.

 

تتميّز المدرسة السليمانيّة ببوابة ضخمة ترتفع بأربع درجات عن مستوى الزقاق. وينفتح على الجانبين المتقابلين قوسان على شكل زاوية يسندهما عمود من الرخام في الوسط، ويرتكزان على أعمدة مستندة إلى الجدران، تعلوها تيجان كورنثية جديدة؛ ويتوج إفريز عريض من القرميد الأخضر البوابة بمجمل عناصرها.

 

أمّا الباب المصفّح بالنحاس فهو محاط بقوس على شكل حدوة حصان يتكون ظهره من فقرات بلونين. يفضي هذا الباب إلى دهليز مربّع ذي أبعاد صغيرة، مزوّد بمقعد حجري على الجدار الأوسط، ومزيّن على نحوٍ رائع برِفد من لوحات من فخار “القلالين”.

 

الباحة المستطيلة محاطة من الجهات الأربع بأروقة تستند أقواسها النصف الدائريّة إلى أعمدة كلسيّة محنّاة تكلّلها تيجان مخرّمة، وعلى أعمدة مقترنة في الزوايا.

 

تنفتح تحت ثلاث من الأروقة الأربعة، ثماني عشرة غرفة خاصة بالطلاب، وهي غرف ذات أبعاد صغيرة في حين تمتد قاعة الصلاة على امتداد الرواق الشرقي.

 

يفضي باب رئيسيّ مؤطّر بالرخام على نحو مداميك متناوبة وبابان جانبيّان بإطارات مستقيمة إلى المصلى. ينتظم هذا الأخير على شكل مستطيل، ويتألّف من ثلاثة بلاطات وأربعة أساكيب تمّ الحصول عليها عن طريق تراصف صفّين من ثلاثة أعمدة من الحجر الكلسي، وتحمل تيجاناً ذات زخارف حلزونيّة تعلوها قمريّات على شكل متوازيات سطوح طويلة وقد توضّع عليها غِماء على شكل قبّة ذات حواف حادّة.

 

الجدران مكسوة بلوحات خزفيّة يعلوها إفريز خزفيّ أيضاً، زهري وجميل. إفريز ثانٍ كتابي كتب بخط نسخي عادي على خلفيّة بيضاء يذكر أسماء الله الحسنى التسعة وتسعون، بينما تؤثث الأجزاء العليا عناصر زخرفيّة منحوتة على الجبس.

 

المحراب مسبوق بقبّة نصف كرويّة، رقبتها مثمّنة الأضلاع وتستند على حنيات ركنية. قوس البداية مزيّن بإطار عريض من الرخام الملوّن باللونين الأبيض والأسود. المشكاة مغطّاة بستّ لوحات من الرخام الأسود الذي يتناوب مع أخرى من الرخام البنّي الفاتح.

 

وقال المؤرخ التونسي عبد القادر المسيليني إن مدرسة السليمانية مثلها مثل بقية المدارس المشابهة بمدينة تونس، كان الغرض من تأسيسها هو إعطاء دروس دينية ولغوية، ثم أصبحت تقتصر على إيواء الطلبة الزيتونيين القادمين من مختلف مناطق البلاد وحتى من خارجها، وبعد الاستقلال تولى ترميمها كل من المعهد الوطني للتراث وجمعية صيانة مدينة تونس وذلك فيما بين 1983 و1985.

 

وأضاف المسيليني لـ”العين الإخبارية”: “المدينة العتيقة تزخر بعديد المدارس بهذا الشكل نظراً لتعويل التونسيين في تلك الفترة على الدراسة وتعلم أصول الدين فكان يأتيها طلبة العلم من مختلف مناطق البلاد وحتى من خارجها”.

 

وأوضح أن السليمانية سميّت (دار الجمعيات الطبية) بالسليمانية بعد الاستقلال، إذ أصبحت تؤوي مقرات عدد من الجمعيات الطبية وشبه الطبية، وتنظم فيها الندوات والملتقيات الدورية في مجال العلوم الطبية وحفظ الصحة، وفي شهر رمضان المعظم تصبح فضاء لإحياء سهراته.

 

You may also like